ابراهيم بن محمد البيهقي

242

المحاسن والمساوئ

مهموما مغموما إذ وثب إليّ زاجر فقال : فرّخ الطير قف أخبرك ! فطويته ولم ألتفت إليه ، فلحقني وتعلّق بي . فقلت : ويحك اذهب عني فإني مشغول عنك ! فقال : أنت واللّه مهموم وو اللّه ليفرجنّ همك وتمنّ باللواء غدا في هذا الموضع بين يديك . فأقبلت أعجب من قوله . فقال لي : إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم ! قلت : نعم . ولو قال خمسين ألف درهم لقلت نعم لبعد ذلك عني . ثمّ مضيت فو اللّه ما انصرفت حتى ورد على المنصور الخبر بانتقاض أمر الموصل وانتشار الأكراد بها . فقال المنصور : ويحكم من لها ! وكان المسيّب ابن زهير عند المنصور وكان صديقا لخالد فقال : عندي واللّه من يكفيكه وأنا أعلم أنّك ستلقاني بما أكره ولكني لا أدع على حال نصحك ، فقال المنصور : قل فلست أردّ عليك . قال : يا أمير المؤمنين ما ترميها بمثل خالد . فقال المنصور : ويحك وتراه يصلح لنا بعد ما أتيناه إليه ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين وأنا زعيمه بذلك والضامن عليه . فتبسّم المنصور وقال : صدقت واللّه ما لها غيره ، فليحضر غدا . فأحضر فصفح له عن الثلاث المائة الألف الدرهم الباقية عليه وعقد له . قال يحيى : فنمرّ واللّه بالزاجر واللواء بين يديّ ، فلمّا رآني قال : أنا هاهنا أنتظرك منذ غدوة ! قال : فتبسمت إليه فقلت : امض . فمضى معي ودفعت إلي الخمسة الآلاف الدرهم . مساوئ الفأل قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : حضرت مجلس المأمون فقلت : يا أمير المؤمنين ألا أحدثك عن الفضل بن يحيى ؟ قال : بلى . فقلت : دخلت دار الرشيد وإذا الفضل بن يحيى وإسماعيل بن صبيح وعبد الملك بن صالح في بعض تلك الأروقة يتحدّثون ، فلمّا بصر بي الفضل أومأ إليّ وقال : يا إسحاق انتظرناك منذ الغداة لتساعد على ما نحن فيه من المذاكرة ! فقلت : يا سيّدي أنذا السكيت إذا أجريت الجياد وفاز السابق والمصلّي . فقال : هيهات عندها مدحت نفسك ولما تكذّب . فلمّا فرغ عبد الملك من حديثه قال الفضل : إنّ لقسّ حديثا سمعته من الخليل بن أحمد فهل عند واحد منكم له ذكر ؟ فسكت القوم . فقلت : يا سيّدي ما نعرف له حديثا إلّا حديث خطبته بعكاظ . قال : ذاك شيء قد فهمته العامّة واختبرته الخاصّة . ثمّ أطرق ساعة . فقلنا : إن رأيت أن تحدّثنا . فقال : حدّثني الخليل بن أحمد أن قيصر ملك الروم بعث إلى قس بن ساعدة أسقف نجران وكان حكيما طبيبا بليغا في منطقه ، فلمّا دخل عليه ومثل بين يديه حمد اللّه وأثنى عليه ، فأمره بالجلوس فجلس ، فرحّب به وأدنى مجلسه وقال : ما زلت مشتاقا إليك معما